سلسلة الحرب الدموية تحت المجهر

سلسلة الحرب الدموية تحت المجهر
______________________
الحمد لله وكفى وصلاة وسلاما على عباده الذين اصطفى، أما بعد، في هذه السلسلة نرصد تحليلا لوقائع تمس أرضنا الحبيبة وتزلزل اﻷركان، وهي مجرد محاولة للفهم ونقل ذلك الفهم لغيرنا من عباد الله، ولا نُقر بأن ما نعرضه هو الحق المبين بل مجرد محاولة للركوض خلف ذلك الحق أينما كان، وما نقدمه عبارة عن حلقات متسلسلة تجمع شواهد الواقع في طيات التحليل والتدقيق، والمشهد على اﻷرض ليس إلا سلسالاً من الدماء المسكوبة في أقداح المستفيدين في كل عصر، ونبدأ السلسلة من بداية الانهيار، ونقسمها إلى العصور التالية:-

عصر دولة بني عباس الثانية (التقسيم وانتهاء السلطة الواحدة على كل اﻷقطار).
عصر الاحتلال الصليبي والشيعي والجهاد السلجوقي الكردي.
عصر المماليك ودولة العثمانيين اﻷولى والمغول.
عصر الدولة العثمانية و ما عاصرها من دول شمال إفريقيا.
عصر بداية الانهيار بداية من القرن الثامن عشر والتشرذم والنزاع كما حدث في عهد دولة العباسيين الثانية.
الحرب العالمية الأولى وسقوط خلافة العثمانيين.
مرحلة الانهيار الثاني والتقسيم الكبير وضياع القدس وتولى اﻷنظمة الجبرية والممالك.
الصراع السني الشيعي منذ الثورة اﻹيرانية وتحالف الشيعة مع الغرب ضد أهل اﻹسلام.
الثورات العربية وقيام المنظومة الجديدة وصراع المشاريع على اﻷرض .

وفي البدء كانت الأفكار التي قامت عليها دولة اﻹسلام التي أنشأها المصطفى (صلى الله عليه وسلم) تقوم على التالي:-
أولا: عقيدة توحيدية صافية لا تشوبها شائبة ولا تدخل فيها البدع.
ثانيا: أن الحكم لله بمعنى أن كل ما يتم من أمور التشريع للعباد هو مستند من كتاب الله وسنة نبيه.
ثالثا: السلطة تقوم عليها اﻷمة بتشكليها وتدعيم مؤسساتها فيما هو واقع تحت شرع الله.

وعلى هذا فقد بدأت هذه اﻷمة رحلتها في شكل خلافة راشدة تختار فيها اﻷمة الممثل لرأس الدولة والملقب بخليفة رسول الله بل وأمير المؤمنين أيضا، وكان القائم على السلطة يحكم في الناس بما أنزل الله في كتابه وما تعلمه من نبيه المصطفى (صلى الله عليه وسلم)، ثم تبدل شكل السلطة مع بني أمية وتحول لخلافة توريث داخل بيت واحد وكان هذا أول تغير في شكل السلطة، وتبعهم بعد ذلك بنوا العباس وكل من لحق بهم، ويأخذ التاريخ الإسلامي مجراً يجبر الأذهان على التدقيق فقد بدأ بالفعل الانقسام مع ظهور دولة العباسيين، فقد استحوذوا على السلطة بالسيف في اﻷرجاء الإسلامية ما عدا تلك البقعة التي رحل إليها عبد الرحمن الداخل، وبهذا اصبح لدينا خلافتين في ذات الوقت، ولكن بدء بالفعل الانهيار الحقيقي للعالم الإسلامي منذ العصر العباسي الثاني أي في القرن الثالث الهجري، فقدت برز التغير الثاني في شكل السلطة وهو الانقسام السلطوي فلم يعد للدولة رأس واحد يقود كل جسد الأمة؛ بل سارت اﻷمور تباعاً لتصير لدول إما تتبع الخلافة بصورة اسمية أو تتشكل في دول منفردة غير ملتزمة بأوامر بني العباس، والتغير الثالث في شكل السلطة في هذا العصر كان عمليات الخلع والتولية التي قام بها بصورة متكررة جدا العسكر باﻷخص اﻷتراك، فقد شكلوا السلطة العليا وكانوا المهيمنين على كل المؤسسات بل إنهم قد خلعوا ونصبوا خلفاء بني العباس، وقتلوا وعذبوا وسجنوا ونكلوا بالعديد من الخلفاء، وصار نفوذ أمير الجند أو أمير اﻷمراء أقوى وسلطته أعلى من سلطة الخليفة حتي في بعض اﻷحيان، وصار التغير الرابع وهو أن لا تتم مبايعة الخليفة إلا إن رضي عنه أمير الأمراء، وحدث التغير الخامس في شكل السلطة وهو أن أصبح منصب أمير اﻷمراء يتشكل بنفس الصورة التي يتشكل بها رأس الخلافة وهو القتل والتأمر والتصارع السلطوي، فسار لدينا صراعين سلطويين في نفس الوقت أحدهما على منصب الخلافة نفسها واﻷخر على منصب أمير اﻷمراء، ومع زيادة هذا الانحلال والتصارع المؤسسي لكيانات الدولة، أمتد التفكك في الولايات وخرج معظمهما من تحت عباءة العباسيين حتى أن الدولة العبيدية المسماة بالفاطمية قد استطاعت الاستيلاء على مصر وأجزاء من الشام بجانب ما حصدوه من قبل في شمال إفريقيا حتي تونس، فأصبح في هذا الوقت لدينا ثلاثة رؤوس سلطوية للأمة تمثل ثلاث خلافات، وكل رأس سلطة منها يتفكك وينقسم سلطويا لكيانات متناحرة، فعند العباسيين سلطة خليفة وأمراء جند، وعند العبيديين كذلك سلطة خليفة ووزراء متناحرين، تلك التغيرات الخمس في قوام السلطة حولت العالم اﻹسلامي في هذا الحين إلى عوالم متناحرة، فاﻷمويون لهم في ذلك الوقت اﻷندلس واستطاعوا سحق اﻷدارسة في شمال إفريقيا فدان لهم جزء من بلاد المغرب وقتها، ثم من تونس مرورا بمصر حتي الشام وجزء من شبه جزيرة العرب صارت خلافة العبيدين، واقتصر وجود العباسيين في العراق مع بعض السيادة الاسمية على ملوك الترك في اسيا الصغرى والدولة البويهية في خرسان، وفي الواقع كان الترك في هذه اللحظة مصدر ألمٍ للأمة كما كانوا قبل إسلامهم ﻷن نزعتهم العسكرية منذ قديم اﻷزل عندما كان أجدادهم الخزر ومن سبقهم من الحيثيين إحدى اﻹمبراطوريات لم تتزحزح بل امتزجت بالسلطة فلم يعودوا مجرد جُندٍ يأتمرون بأمر الخليفة؛ بل صاروا ملوكاً وأمراء يتحكمون في الخلفاء كأنهم لعبة في أيديهم، وهذا التناحر السلطوي في بيت خلافة العباس بجانب التناحر مع الخلافات الأخري، بجانب التشرذم لدول أعطى ملوك أوربا دافعاً قويا لغزو تلك البلاد المتفككة ظناً منهم أنه يسهل استعمارها في ذلك الوقت، والحقيقة أن فئة من جنس الترك وهم السلاجقة قيدهم الله درعاً يدفع عن اﻷمة بعض اﻷذى في ذاك الزمان، فشكلوا مع الكُرد نواةً لدولٍ جاءت بعدهم كانت تمثل المرحلة الثانية في هذا التدهور التاريخي رغم كل ما حققوه من إنجازات يعجز اللسان عن وصفها إلا وقد أقر العقل بما فيها من عظمة، ولهذا نحن نبحث هذه السلسلة لنفهم حاضرنا ومستقبلنا من تاريخنا بسلبياته وإيجابياته.
13680530_175730152840599_6465040743597677463_n

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s